القائمة الرئيسية

الصفحات

تعرف علي المحرمات من النساء و الحكمه من تحريمهن طبقا للقانون المصري و احكام محكمة النقض

تعرف علي المحرمات من النساء و الحكمه من تحريمهن طبقا للقانون المصري و احكام محكمة النقض


المحرمات من النساء 


قدمنا أن من شروط صحة الزواج أن تكون المعقود عليها غير محرمة على من يريد الزواج بها بأي سبب من أسباب التحريم .
وهذا تفصيل المحرمات من النساء مؤيدا والمحرمات منهن مؤقتا . 
من النساء من يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤبدة دائمة على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له في وقت من الأوقات . وهن النساء اللاتي تربطه بهن رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع . ومنهن من يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤقتة على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له مادامت على حال خاصة قائمة بها فإن تغيرت الحال وزال سبب التحريم الوقتی صارت حلالا له أن يتزوجها ، وهن من تعلق حق غيره بها بزواج أو عدة . ومطلقته ثلاثا قبل أن تنکح زوجا غيره ، ومن يكون في عصمته محرم لها . ومن يكون في عصمته أربع سواها ، ومن لا تدين بدين سماوي ، والأمة إذا كانت في عصمته حرة . 
ومن عدا ذلك من النساء يحل للمسلم أن يتزوج منهن لأن الله سبحانه بعد أن بين المحرمات قال عز شأنه : (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ) . 

الحكمة في تحريم من حرم من النساء 

أما تحريم من حرم من النساء مؤبدا بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضا فحكمته عدة أمور : 

الأول : أن كل إنسان في هذه الحياة محتاج إلى الارتباط بأفراد نوعه وإلى عدة وسائل لهذا الارتباط بهم حتى يتبادل معهم الحاجات ويتعاونوا على ما تتطلبه معيشتهم وفي صلة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع ما يكفل إيجاد هذا الارتباط ويحقق تعاون المرتبطين بها . لهذا جعل الله الزواج وسيلة لإيجاد رابطة أخرى تربط الزوج بمن تكون أجنبية عنه لا تربطه بها صلة قرابة أو مصاهرة أو رضاع حتى تكون الزوجية وصلة بين الأجانب ، وكم أسر متباعدة صارت بالتزواج أسرة واحدة . 
الثاني : أن الإنسان كما أنه في حاجة إلى اكتساب رابطة تربطه بالأجانب عنه في حاجة إلى الاحتفاظ بصلات تربطه بهم من رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع ، وفي إباحة الزواج بمن تربطه بهم إحدى هذه الروابط تعريض الوصلة بهم إلى القطيعة لأن تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين قد يؤدي إلى الخلف . والخصومة فتتحول القرابة إلى عداوة ويفقد المرء آثار الارتباط بمن تربطه بهم تلك الصلات . 
الثالث : أن للقرابة حقوقا وللزوجية حقوقا وقد تتنافى هذه الحقوق وتتعارض فتكون من تجب لها الطاعة واجبة عليها الطاعة ومن له الرياسة مرءوسا . 
الرابع : ما قرره الأطباء من أن الزواج بالأقارب ينتج النسل الضعيف وأن مصلحة الطفل في أن يتولد من أبوين من أسرتين لأن هذا يهيء له ما قد يكون فيه نماؤه وقوته على المقاومة. وسلامته من الأمراض . 
وأما تحريم من حرم من النساء لأسباب وقتية فكل سبب من أسباب هذا التحريم الوقتي يشعر بحكمته وهي ترجع إلى منع الإنسان من الاعتداء على غيره.
والخروج عن حدود دينه . وقطعه الرحم بين القريبات . واتخاذه زوجة لا تأتلف به غالبا وليس من شأنها أن تتبادل معه ما تقتضية الزوجية من مودة ورحمة وغير ذلك مما سيتبين في تفصيل المحرمات . 

أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، على وفق مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم، فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، دارالقلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1990م، الصفحة( 43 ـ 44 ) 

المحرمات من النساء تعداد 


أوضحنا بالتفصيل السابق أنه يشترط لصحة عقد الزواج أن تكون المرأة غیر محرمة على الرجل، تحريما مؤبدا أو مؤقتا، وقد بين الله تعالى المحرمات في قوله:

 وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).

ويستخلص من هذه الآية أن المحرمات من النساء قسمان رئيسيان.

القسم الأول: المحرمات مؤبدا، وهؤلاء لا يحل الزواج بهن أبدا لأن سبب تحريمهن وصف غير قابل للزوال في أي حال من الأحوال.

والمحرمات مؤبدا ثلاثة أنواع


1- محرمات بسبب النسب (القرابة) أي سبب التحريم القرابة القريبة ويعبر عن صاحبها بذي الرحم المحرم.

2- محرمات بسبب المصاهرة ويكون التحريم في هذا النوع بسبب العلاقة الزوجية وما يلحق بها.

3- محرمات بسبب الرضاع.

القسم الثاني: المحرمات مؤقتا - وسبب تحریم هؤلاء أمر قابل للزوال، فيكون التحريم ما بقى هذا الأمر، فإذا زال انتهى التحريم.

ونعرض للمحرمات من النساء تفصيلا على النحو الآتي:

المحرمات مؤبدا

القسم الأول : المحرمات مؤبدا


أولا : المحرمات بسبب النسب :


تنقسم المحرمات نسبا إلى ثلاث طوائف، نعرض لها فيما يأتي:

(أ) الأصول من النساء وإن علون:

فيشمل هؤلاء الأم، والجدات لأب، والجدات لأم، مهما علون.

(ب) الفروع من النساء وإن نزلن:

فيشمل هؤلاء البنت وبنت الابن وبنت البنت، وهكذا كل فرع يعتبر جزءا منه أو جزءا ممن يتصل به ذلك الاتصال.

(ج) فروع الأبوين وإن نزلن:

ويشمل هؤلاء الأخوات مطلقا شقيقات أو غير شقيقات، وفروع الأخوة والأخوات كبنت الأخ وبنت الأخت وفروعهن مهما نزلن درجة.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 10 / 9 / 1955 بأن :

«.. كما يحرم على الأخ التزوج ببنت أخيه الشقيق أو لأب أو الأم يحرم عليه التزوج من بنتها وبنت بنتها وإن نزلت لقوله تعالى في آية التحريم:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) لأن اسم البنت يشمل بنت البنت وإن نزلت.

فقد جاء في شرح فتح القدير في بيان المحرمات من النسب ما نصه فتحريم بنات الإخوة والأخوات وبنات أولاد الأخوة والأخوات وإن نزلن». وعلى هذا لا يحل لهذا الرجل أن يتزوج من بنت بنت بنت أخيه لأب. وبهذا علم الجواب على السؤال والله أعلم».

إنما يحل للرجل شرعا التزوج بالأخت لأب لأخيه لأمه، كما يحل له التزوج بالأخت لأم لأخيه لأبيه لأن أخت الأخ من النسب تحل شرعا.

وبهذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 13 / 10 / 1955 وجاء بفتواها : يحل للرجل شرعا التزوج بالأخت لأب لأخيه لأمه، كما يحل للرجل شرعا التزوج؛ بالأخت لأم لأخيه لأبيه لأن أخت الأخ من النسب تحل شرعا. قال صاحب الهداية «يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب وذلك مثل الأخ من الأب إذا كانت له أخت من أمه جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها» فإذا تزوج الرجل بواحدة ممن جاء ذكرهم في السؤال كان زواجه صحيحا وكان ما تناسل له من ذلك نسلا من نكاح صحيح وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم».

(د) فروع الأجداد والجدات إن انفصلن بدرجة واحدة :

مهما تكن درجة الجد والجدة.

فالعمات والخالات محرمات، وكذلك عمات وخالات الأب وعمات وخالات الجد.

أما بنات العمات والخالات فحلال لعدم ذكرهن في المحرمات، ولدخولهن بسبب هذا في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ) ولقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ)، وما يحل للرسول يكون حلالا لأمته ما لم يدل دليل على اختصاصه بالحل.

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 15 / 12 / 1966 في الطلب رقم 634 لسنة 1999بأن :

«المنصوص عليه شرعا أنه لا يحل للرجل الجمع بين امرأتين كلتاهما محرم الأخرى بحيث لو فرضت أية واحدة منهما رجلا لم يحل له الزواج بتلك المرأة - وتحريم الجمع ورد به الكتاب والسنة. وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وردت به السنة. ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» وكما يمتنع الجمع بين المحرمين إذا كانت الزوجية قائمة يمتنع أيضا إذا كان قد طلق زوجته ولا تزال في العدة سواء أكان الطلاق رجعيا أم بائنا، لأن للعدة حكم الزواج القائم من بعض الوجوه - وعلى ذلك فلا يحل للرجل أن يتزوج من بنت أخت مطلقته ما دامت مطلقته في العدة، رجعيا كان الطلاق أم بائنا. هذا وعدة المطلقة تنقضي برؤية المطلقة الحيض ثلاث مرات كوامل إذا كانت من ذوات الحيض. أو بانقضاء ثلاثة أشهر من وقت الطلاق إذا لم تكن من ذوات الحيض بأن كانت يائسة مثلا وبوضع الحمل إن كانت حاملا - وأقل مدة تصدق فيها المرأة بانقضاء عدتها بالحيض هي ستون يوما. والمقرر فقها أنه إذا طلق الرجل امرأته ثم ادعى أن عدتها قد انقضت وكانت المدة تحتمل ذلك. ولكن المرأة تكذبه في دعواه فالحكم أنه يعامل كل منهما بحسب قوله فتستمر نفقة العدة للمرأة ويجوز للرجل أن يتزوج بأختها أو بإحدى محارمها. جاء في فتح القدير ج۳ ص ۲۸۸ وإذا قال الزوج أن الزوجة قد انقضت عدتها والمدة تحتمله فكذبته لم تسقط نفقتها وله أن يتزوج بأختها لأنه أمر ديني يقبل قوله فيه» وبما أن السائل يقرر أن طلاق زوجة ابنه كان بتاريخ 6 / 3 / 1965 والمدة تحتمل انقضاء المدة شرعا لمضي أكثر من تسعة عشر شهرا من وقت الطلاق فإذا قرر الزوج أن عدة مطلقته المذكورة قد انقضت حل له التزوج ببنت أختها لما سبق بيانه. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال والله أعلم».

سند التحريم: 

سند التحريم قوله تعالى في سورة النساء:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ).

فهناك سبع من المحرمات سالفي الذكر ورد تحريمهن بنص الآية هن:

1- الأم.

2-البنات الصلبيات.

3- العمات، وكل من تنفصل عن الجد بدرجة واحدة يطلق عليها عمة مهما تعلون ومهما يكون الجد الذي تنتمون إليه.

4- الخالات، وكل من تنفصل عن الجد بدرجة واحدة يطلق عليها خالة مهما تعلون ومهما يكون الجد الذي تنتمون إليه.

5- الأخوات.

6- بنات الأخ.

7- بنات الأخت.

أما تحريم الجدات، لأن كلمة الأمهات في الآية تتناول الجدات لغة، فإن الأم تطلق في اللغة على (الأصل)، ومن ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ).

فقد جعلت الآيات المحكمات، أما الكتاب أي أصلا وأساسا يرجع إليه في تأويل المتشابهات وبيان المراد منها، وقوله تعالى:(وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

وقد انعقد الاجتماع على تحريم الجدات استنادا إلى هذه الآية.

وبدلالة النص أو قياس الأولى، أو القياس الجلي، وهي دلالة الكلام على مسكوت عنه هو أولى بالحكم المنطوق به، كدلالة قوله تعالى في شأن الوالدين: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ)، على حرمة شتمهما أو ضربهما، وقد حرم الله العمات والخالات بالنص، وهن أولاد الجدات فتثبت حرمة الجدات من باب أولى - لأنهن أقرب أما فروع البنات والأبناء فسنده ما يأتي:

1- إجماع العلماء على أن المراد بالبنت كل فرع مؤنث لأن كلمة البنت قد تطلق لغة على الفرع فالآية تتناول بنات الأولاد مهما نزلن.

۲- دلالة النص ذلك أن الله تعالى حرم بنات الأخ وبنات الأخت، ولا شك في أن بنات البنات وبنات الأبناء وإن نزلن أقوى قرابة من بنات الإخوة وبنات الأخوات.

وبنات بنات الأخ وبنات الأخت ثبت تحريمهن بالإجماع ودلالة النص على نحو ما سلف.

هل يثبت التحريم ولو كانت علاقة القرابة من الزنى:

اختلف العلماء فيما إذا كان التحريم ثابتا ولو كان سبب القرابة هو الزنا، كالبنت من الزنا، كأن يزني الرجل بامرأة فتلد منه بنتا، فيتزوجها الرجل.

فذهب الأحناف وأحمد بن حنبل ومالك، فيما رواه عنه ابن القاسم - إلى أن حرمة الزواج تثبت للقرابة من الزنى، لأنها ابنته حقيقة إذ هي مخلوقة من مائه، ثم هي لغة أيضا، والخطاب في الآية باللغة العربية أيضا.

بينما ذهب الشافعي إلى عدم حرمتها عليه، لأن البنوة التي تبنى عليها الأحكام هي البنوة الشرعية لا الحقيقية، وهي منتفية هنا لقوله عليه السلام، «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ولا خلاف في هذا، ولا ولاية له عليها، ولا نفقة له عليها، ولا توارث بينهما.

ويقاس على ما تقدم سائر القريبات من الزنا، كالأخت وبنت الأخ وبنت الأخت من الزنا .

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 18 / 10 / 1989 بأن:

«إن زنا الرجل المكلف العاقل المختار بأجنبية من أفحش الكبائر التي نهى الله ورسوله عن ارتكابها وتوعد المقترفين لها بالعذاب الشديد قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الآية رقم ۳۲ من سورة الإسراء، وزنا الرجل بإحدى محارمه كبيرة شنعاء أفظع في الإثم وأبلغ في العقاب ويجب على المسلم أن يبادر بالتوبة والإقلاع عنها وأن يعقد عزمه على عدم العودة إليها.

لما كان ذلك فإن ما اقترفه السائل مع حماته لهو كبيرة وفاحشة عظيمة ولا نجاة من عقاب هذه الفاحشة إلا التوبة النصوح والندم على ما فعل. ، أما عن موقفه من زوجته وأولاده فقد ذهب فقهاء الحنفية إلى أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة من أصول المزني بها وفروعها وبين أصول وفروع من زنی بها ولا يوجب تحريمها على الزاني نفسه وتحرم على الزاني أم المزنی بها وبنتها لأن الوطء سببه الجزئية بواسطة الولد حتى يضاف إلى كل واحد منهما كاملا فتصير أصولها وفروعها كأصوله وفروعه وعليه تكون زوجة السائل محرمة عليه بهذا الزنا بمقتضى أحكام هذا المذهب.

وذهب الشافعية ومن وافقهم إلى أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة أصلا، لأنها نعمة فلا تنال المحظور.

وبناء على مذهب الشافعي ومن وافقه لا تحرم زوجة هذا الزاني عليه ويثبت نسب جميع أولادها منه لبقاء الزوجية على أصلها وهذا هو ما نختاره للفتوى، ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

والله سبحانه وتعالى أعلم».

هل تأخذ بنت الملاعنة حكم البنت في التحريم:

تأخذ بنت الملاعنة حكم البنت في التحريم، فإذا نفى الزوج نسب ابنته من زوجته، و تلاعن الزوجان أمام القاضي، فحكم بنفي نسبها منه وبإلحاقها بالأم، فهي محرمة على الزوج بسبب النسب والقرابة مع أن النسب والقرابة انتفيا بحكم القاضي. والعلة في ذلك أنه يجوز للزوج أن يكذب نفسه بعد ذلك ويدعيها فيثبت نسبها منه.

ومن جهة أخرى، هي بنت زوجته المدخول بها، فتحرم عليه بسبب المصاهرة.

(انظر في المقصود بالملاعنة بند 115).

حكمة التحريم


ترجع حكمة تحريم المحرمات نسبا إلى ما يأتي:

1- ما تأباه الفطرة الإنسانية من أن يتصل ذوو القرابة القريبة من الرجال والنساء، كالأبناء مع الأمهات والبنات مع الآباء اتصال شهوة ومتعة جنسية، ولذلك تجد أكثر المحرمات في الإسلام كانت محرمة في الجاهلية.

2- أن الزواج من المحرمات وهن قريبات جدا إلى الرجل مما يفسك الروابط الوشيجة والعواطف النبيلة التي تجمع بينهما بحكم الفطرة، والتي أساسها الشفقة والمحبة البريئة وعمادها الاحترام والمودة الخالصة، ذلك أن أساس العلاقة الزوجية المتعة وهي تقتضي الابتذال والامتهان ويرتفع فيها الوقار والاحتشام، كما تؤدي إلى المغاضبة و المخاشنة فخصائص كل من العلاقتين تتنافى مع الأخرى فيكون الفصل بينهما خير وأجدى من الجمع.

3- أنه لو أبيح الزواج بالمحرمات، لأدى ذلك إلى منع التلاقي بينهن وبين أقاربهن، فيمتنع لقاء الولد بأمه والأخ بأخته أو بعمته أو خالته وذلك درءا للطمع وخشية الحرج وتلافيا للمفسدة، فكان التحريم لمنع الحرج والضيق والحفاظ على الروابط العائلية.

4 - ما ثبت علميا من أن الزواج من القرابة القريبة ينتج نسلا ضعيفا، فيكون في هذا التحريم درءا لضعف النسل.

ومصداق ذلك ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لآل السائب:

«اغتربوا لا تضووا» أي تزوجوا الغرائب لئلا تجئ أولادكم نحافا ضعافا.

وعلل الغزالى ذلك بقوله:

«إن الشهوة تبعث بقوة الإحساس بالنظر أو اللمس وإنما يقوي الإحساس بالأمر الغريب الجديد.

فأما المعهود الذي دام النظر إليه، فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة»..

وقد قيل: «بنات العم أصبر، والغرائب أنجب».

5- إن الزواج من غير الأقارب بصفة عامة من شأنه إنشاء علاقات جديدة بين الأسر، فتكون أساسا لتعاون مستمر بينها.

وهذا التحريم مطلق، ولم يستثن الله تعالى منه حالات الضرورة والاضطرار كما استثناها في مسائل أخرى.

المحرمات بسبب المصاهرة


ثانيا : المحرمات بسبب المصاهرة :

تعداد الطوائف المحرمة:

يحرم بسبب المصاهرة أربع طوائف هي:

١- زوجة الأصل وإن علا، سواء كان من العصبات كأبي الأب، أو كان من ذوي الأرحام كأبي الأم - سواء دخل بها الرجل أو لم يدخل.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 8 / 4 / 1980 في الطلب رقم 96 لسنة 1980 بأن:

قال الله تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) والآية ۲۲ من سورة النساء .

وبمقتضى هذا النص القرآني الكريم القطعي الثبوت والدلالة يحرم على الابن الزواج بمن كانت زوجة أبيه مادام عقد هذا الأخير قد تم صحيحا شرعا، وسواء أدخل بها الأب أم لم يدخل بها لما كان ذلك. فإنه يحرم في هذا الواقعة زواج الابن من مطلقة أبيه لأن زوجة الأب من المحرمات حرمة دائمة مستمرة، حتى ولو طلقت من الأب أو مات عنها. وهذا دون التفاف لما أثاره السائل من اعتبارات في سبب تزوج الأب بهذه المرأة أو طلاقه إياها ولا في سبق اتهام ابنه بها. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) والله سبحانه وتعالى أعلم».

ولكن يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجة أبيه، ما لم يكن هناك مانع آخر.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 4 يناير سنة 1945 وقد جاء بفتواها :

«اطلعنا على هذا السؤال ونفيد أن مجرد زواج والد المسئول عنه ببنت المرأة التي يريد التزوج بها لا يحرمها عليه فقد نص الفقهاء على أن للرجل أن يتزوج أم زوجة أبيه فيحل له التزوج بها ما لم يكن هناك شيء آخر يمنع من هذا الزواج وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر والله أعلم».

2- زوجة الفرع وإن نزل، سواء كان من العصبات كابن الابن أو من ذوي الأرحام كإبن البنت وسواء دخل بها الرجل أو لم يدخل.

3- أصول من كانت زوجته وإن علون كأمها وأم أمها، وأم أبيها، سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل.

4- فروع من كانت زوجته وإن نزلن، كالبنت وبنت البنت أو بنت الابن، بشرط الدخول بزوجته.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 12 / 6 / 1940 بأن:

«اطلعنا على هذا السؤال والمفهوم منه أن السائل يريد الإجابة عما إذا كان يحل للزوج الثاني أن يتزوج بواحدة من بنتى زوجته المتوفاة المرزوقة بهما من زوجها الأول أم لا فإذا كان الأمر كذلك وكان الحال كما ذكر بالسؤال لم يحل لهذا الزوج أن يتزوج بواحدة من البنتين المذكورتين لأنهما ربيبتاه من زوجته التي دخل بها وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم».

كما أفتت بتاريخ 25 / 3 / 1964 في الطلب رقم 176 لسنة 1964 بأن:

«يقرر السائل أن عقدا شرعيا صحيحا تم وإن كان عرفيا لم يوثق بصفة رسمية، وأن هذه الزوجة لا تزال في عصمته، وقد عقد على ابنتها التي في حجره ولم يدخل بها حتى طلقها وتزوجت بآخر، ويريد أن يعقد على زوجته التي في عصمته عقدا رسميا - والمقرر شرعا أن العقد على المرأة والدخول بها يحرم بنتها على زوجها وأن العقد الصحيح على المرأة يحرم أمها علی العاقد ولو لم يدخل بها - وهذا السائل قد عقد على بنت امرأته بعد أن تزوج بهذه المرأة. ودخل بها فوقع عقده على البنت غير صحيح. شرعا، وإذا فلا يترتب عليه تحريم أمها على السائل وتبقى زوجيته بها قائمة صحيحة، وبالتالي لا يكون هناك محل للعقد عليها مرة أخرى - أما إذا كل غرض السائل مجرد توثيق عقد زواجه بها رسميا لدى المأذون فإن سبيله إلى ذلك هو عمل تصادق على الزواج بها مستندا إلى تاريخ العقد العرفي الذي أجراه عليها أول الأمر في ۲۳ يوليه سنة 1959. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم».

سند التحريم:

ثبت تحريم الطوائف الأربع السالفة بأدلة من الكتاب أو من السنة أو بإجماع فقهاء الإسلام الذي لابد أن يستند إلى دليل.

فالطائفة الأولى: دلیل تحریمها قوله تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) .

فدلت الآية على أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بمن كانت زوجة أبيه، وذلك يشمل زوجة الجد وأبي الجد مهما علا، لأن اسم الأب يطلق في اللغة على الأصول كما يطلق على الأب المباشر.

وقد دل الإجماع أيضا على حرمة زوجات الأجداد مهما علوا.

والطائفة الثانية: فقد ثبت تحريم زوجة الابن بالنص من عبارة: (وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ) فالحليلة هي الزوجة. أما زوجات ما عدا ذلك من الفروع، فدليله أن اسم الأبناء يطلق على الفروع الذكور مباشرة أو بالواسطة فيشمل أبناء وأبناء الأبناء، وفضلا عن ذلك فإن الإجماع انعقد على تحريم زوجة الفرع. وزوجة الفرع محرمة ولو لم يدخل بها لأن الله تعالى قال: «وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم» والحليلة من تحل سواء أحصل دخول أم لم يحصل.

والمقصود بزوجة الابن، زوجة الابن نسبا، فيخرج من دائرة التحريم زوجة الابن بالتبني، فالإسلام لا يعترف بالنسب بالتبني، وذلك واضح من تقييد الآية بعبارة «الذين من أصلابكم».

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 9 / 2 / 1970 بأن :

«أولا: عن حل زوجة الابن لوالده: فالمقرر شرعا أنه يحرم على الأب أن يتزوج بامرأة ابنه سواء كان الابن قد دخل بزوجته أو لم يكن قد دخل بها - لإطلاق قوله تعالى:(وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ). ثانيا...الخ).

والطائفة الثالثة: فقد ثبت تحريم أم الزوجة من النص لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) . أما باقي الأصول، فتحريمها ثابت بدلالة النص أو بدلالة الأولى، فالمراد من الأمهات الأصول.

وقد انعقد الإجماع على تحريم كل أصول الزوجة.

والطائفة الرابعة: فقد ثبت تحریمها بقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )، وذلك عطف على قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ).

والربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره، وسمى ربيبا، لأنه يربيه كما يربي ولده (أي يسوسه).

والرأي عند جمهور الفقهاء التحريم سواء كانت في الحجر. أو لم تكن، أما قوله تعالى: واللاتي في حجوركم فهو وصف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمها، وليس قيد.

وهذا المعنى يدل عليه أن الآية نفسها قد أشارت بعد ذلك إلى عدم اعتبار هذا الوصف قيدا في التحريم كما اعتبر قيدا للدخول بالأمهات إذ قالت: ( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) فاقتصرت في بيان الحكم المقابل للأول على حالة تخلف الدخول ولم تتعرض لما يقابل ذلك الوصف من كون الربائب في غير الحجور.

وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقوم في التحريم مقام الوطء، لنظر إلى الفرج بشهوة أو لمسه بشهوة) ويجب لكي يثبت التحريم أن تكون الشهوة وقت النظر أو اللمس، فإذا تم النظر أو اللمس دون شهوة ثم أتت الشهوة بعدهما لم يثبت التحريم .

هل يوجب الزنا بالمرأة التحريم؟


اختلف الفقهاء فيما إذا كان الزنا بالمرأة يوجب التحريم كما يوجب الوطء أو ما دونه - بالتفصيل السابق - في نكاح صحيح أو بشبهة أي الوطء الذي يدرأ فيه الحد.

فيذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن الزنا يحرم ما يحرمه النكاح.

بينما ذهب الشافعي إلى أن الزنا بالمرأة لا يحرم ما يحرمه النكاح.

ونحيل في تفصيل ذلك إلى فتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 / 6 / 1981في الطلب رقم 192 / 1981 التي جاء بها :

تقضي المادة ۲۸۰ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم۷۸ لسنة ۱۹۳۱ والمادة السادسة من القانون رقم 492 لسنة 1955 بأن تصدر الأحكام طبقا لأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة ما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة، فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقا لتك القواعد، وقد نص فقهاء المذهب الحنفي على أن: من زنی بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها وجدتها، وتحرم المرأة المزني بها على آباء الزاني وأجداده، وإن علوا، وعلى أبنائه وبناته وإن نزلوا (الهداية وشروحها ص 365 وما بعدها ج۲ وبدائع الصنائع ج۲ ص 259) وبهذا أثبت فقه الحنفيين الزنا حرمة المصاهرة كالزواج، وهذا الرأي منقول عن عمر وابن عباس وابن مسعود وعمران بن الحصين وجابر وأبي وعائشة والحسن البصري والسقبي والنخعي والأوزاعي وطاووس وعطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والثوري وإسحاق بن راهوية، وهو مذهب أحمد بن حنبل فقد نص الخرقي على أن: «وطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة» - وقال ابن قدامه في المغني شرحا لهذا: يعني أنه يثبت به تحريم المصاهرة، فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها (ج 7 ـ مع الشرح الكبير ص 482 وما بعدها).

وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي جـ۲ ص ۲۸ في المسألة الرابعة من مسائل حرمة المصاهرة قال: اختلفوا في الزنا، هل يوجب من التحريم في هؤلاء، ما يوجب الوطء في نكاح صحيح أو شبهة، أعني الذي يدرأ فيه الحد، فقال الشافعي: الزنا بالمرأة لا يحرم نکاح أمها ولا ابنتها ولا نكاح أبي الزاني لها ولا ابنه، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي يحرم الزنا ما يحرم النكاح، وأما مالك في الموطأ عنه مثل قول الشافعي أنه لا يحرم وروى ابن القاسم مثل قول أبي حنيفة أنه يحرم، وقال سحنون وأصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في الموطأ.

وقال ابن جزي المالكي في القوانين الفقهية ص ۲۳۱: يعتبر في التحريم بالصهر النكاح الحلال أو الذي فيه شبهة أو اختلف فيه، فإن كان زنا محضا لم تقع به حرمة المصاهرة. فمن زنى بامرأة فإنه لا يحرم تزويجها على أولاده فالمشهور وفقا للشافعي خلافا لأبي حنيفة، إلا أن في المدونة: من زنى بأم امرأته فارقها، خلافا لما في الموطأ.

وذهب الفقه الشافعي قولا واحدا إلى أنه لا حرمة لماء الزنا، بدليل انتفاء سائر أحكام النسب من إرث وغيره. ولكن يكره نكاحها خروجا من خلاف من حرمها ( ص 356 جـ3 من الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع مع حاشيته تحفة الحبيب في المحرمات في النكاح). .

ونقل ابن قدامة في المغني (ج7 ص 15 مع الشرح الكبير) قال: وإذا زنت امرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين: أحدهما: انقضاء عدتها، فإن حملت من الزنا، فقضاء عدتها بوضعه ولا يحل نكاحها قبل وضعه وبهذا قال مالك وأبو يوسف وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وفي الأخرى قال: يحل نكاحها ويصح، وهو مذهب الشافعي، لأنه وطء لا يلحق به النسب فلم يحرم النكاح، كما لو لم تحمل.. والشرط الثاني أن تتوب من الزنا، وقال أبو خنيفة ومالك والشافعي لا يشترط ذلك.

لما كان ذلك: وكان العقد المسئول عنه صحيحا وفقا لفقه مذهب الإمام الشافعي والمشهور عن مالك، باعتبار أنه يحل لوالد الزاني تزوج هذه الفتاة التي زنی بها ابنه، ولو كانت حاملا منه. ويقع العقد باطلا في فقه مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد ورواية عن مالك، ومن قال بذلك من الصحابة والتابعين على نحو ما سبق بيانه.

ومتى صح العقد كما يقول الشافعيون والمشهور عن مالك، كان الولد للفراش وإن كان الذي عليه القضاء هو فقه الحنفيين كما سبق.

ومن هنا.. يتعين الاحتياط بأخذ التعهد عليه بقبوله الزواج منها وفاقا لمذهب الشافعي، وأن الأحوط والأولى تزويجها لمن زنی بها. والله سبحانه وتعالى أعلم).

أيضا الفتوى الصادرة بتاريخ 10 / 2 / 1981 في الطلب رقم ۲۸ لسنة 1980 - والفتوى الصادرة بتاريخ 3 / 1 / 1980 في الطلب رقم ۳۰۱ لسنة ۱۹۷۸)

(راجع أيضا بند ۹۲).

حكمة التحريم:

الحكمة من التحريم بالمصاهرة، أن رابطة المصاهرة كرابطة القرابة، وقد جاء بحديث الرسول عليه السلام: (إن المصاهرة لحمة كلحمة النسب)، فالمرأة إذا تزوجت من الرجل صارت قطعة من نفسه، وصار هو قطعة منها ومصداقا لذلك قوله تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، ومن ثم فإن منطق الزواج أن تكون أم الزوجة كأم الرجل من النسب - وبنت زوجته كبنته من النسب وهكذا.

ومن ثم تحرم أمها عليه كما تحرم أمه، وتحرم بنتها كما تحرم ابنته وهكذا.

بل إن الشرائع السماوية قد اتفقت مع الشريعة الإسلامية في التحريم بسبب المصاهرة، لأن ذلك التحريم مشتق من الفطرة.

ولولا الحرمة بالمصاهرة لأبيح للرجل أن يتزوج أم زوجته وابنتها وأبيح للزوجة أن تتزوج أباه وابنه، وأدى ذلك إلى حرج شديد في العلاقات الأسرية، وتباعد الابن عن أبيه أو والدة زوجته أو خالتها، وهذا ما يؤدي إلى تقطيع أوصال الأسر، وهو ما يتنافى مع الطبع البشري وما تدعو إليه الشريعة الغراء من المودة والرحمة والترابط .

المحرمات بسبب الرضاعة


ثالثا : المحرمات بسبب الرضاعة

طوائف المحرمات بسبب الرضاعة:

(أ) الأصول من الرضاعة وإن علون :

فتشمل هذه الطائفة الأم التي أرضعت الرجل وجدته رضاعا لأب أو الأم، كأم من أرضعته وأم أبي من أرضعته وأم أبيه رضاعة، والأب الرضاعي هو زوج المرضعة التي رضع من ثديها.

(ب) الفروع من الرضاعة وإن نزلن:

وتشمل هذه الطائفة بنات الرجل من الرضاعة، وهن من رضعن من لبن زوجته، وابنة بنته من الرضاعة، وهي التي رضعت من لبن ابنته الصلبية أو ابنته رضاعا. 

(ج) فروع الأبوين من الرضاعة وإن نزلن:

وتشمل هذه الطائفة أخوات الرجل من الرضاعة، وهن من رضعن من لبن أمه، وكذلك بنات أخواته وبنات أخوته من الرضاعة.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:

1- «أطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أنه إذا كان اللبن الذي أرضعت به سدينة عبد الجليل من زوجها بأن كان هذا اللبن نزل منها بسبب ولادتها من الزوج المذكور، وكان اللبن الذي أرضعت به كاملة ابن أخيها من هذا الزوج بالصفة المذكورة، وكان رضاع عبد الجليل من سدينة ورضاع ابن أخ كاملة منها وهما في سن الرضاع وهى سنتان على مذهب الصاحبين والأصح المفتي به. كان عبد الجليل وابن أخ كاملة الذي أرضعته أخوين من الأب رضاعا فلا يجوز أن يتزوج ابن أخ كاملة هذا من بنت عبد الجليل لأنها أبنة أخيه من الأب رضاعا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم. وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 11 / 7 / 1939 )

2- «اطلعنا على هذا السؤال ونفيد: أنه إذا كان رضاع سيدة أخت مصطفی من سعدة زوجة عمها من لبن نزل من سعدة بسبب ولادتها من ذلك العم وكان رضاع سيدة من سعدة وهي في سن الرضاع وهى سنتان على قول الصاحبين وهو الأصح المفتى به كانت سيدة هذه أختا من الأب لابن عمها الذي رزق به من زوجة أخرى. فإذا كان رضاع مصطفى من أخته سيدة وهو في سن الرضاع التي بيناها لم يجز لولد العم هذا أن يتزوج من ابنة مصطفى لأنها بنت ابن أخته من الأب رضاعا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم. وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم».

(فتوی صادرة بتاريخ 11 / 7 1939)

3- «إنه برضاع السائل وابن خالته الأكبر من جدتها لأمهما خمس رضعات فأكثر في سن الرضاع وهو سنتان منذ ولادة الطفل على المفتى به صارت جدتهما أما لهما من الرضاع وصار أولادها (أخوال وخالات السائل) إخوة وأخوات للسائل وابن خالته رضاعا.

وبناء على ذلك فإنه لا يحل شرعا للسائل ولا لابن خالته الذين قد رضعا من جدتهما لأمهما أن يتزوجا من بنات أخوالهما إن وجدن ولا من بنات خالاتهما لأنهن جميعا صرن بناتا لإخوتهما وأخواتهما رضاعا. لأن كما لا يحل للرجل أن يتزوج بنت أخيه أو بنته نسبا فلا يحل ذلك من الرضاع لقوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أما ابن خالة السائل الذي لم يرضع من جدته لأمه ويريد الزواج من بنت خالته من جدتهم قد جعل بنت خالته التي يريد الزواج منها أختا لأخي أخيه من الرضاع وبنتا لأخت أخيه من الرضاع لأنه كما يحل للرجل أن يتزوج من أخت أخي أخيه وبنت أخت أخيه نسبا يحل له الزواج من أخت أخي أخيه وبنت أخت أخيه رضاعا والله سبحانه وتعالى أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 29 / 1 / 1989)

(د) فروع الأجداد من الرضاعة إذا انفصلن بدرجة واحدة :

وتشمل هذه الطائفة العمات والخالات رضاعا.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:

۱- «برضاع نعمات بنت علی ابن الحاج رزيقة من زوجة جدها الأخرى بلبنه مارت بنتا لجدها رزيقة ولزوجته الأخرى من الرضاع. وحينئذ فهي أخت من الرضاع لأبيها على وعمته زنوبة. فيكون محمد خليل بن زنوبة بن أخت نعمات رضاعا. فلا يحل له التزوج بخالته رضاعا لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ومعلوم أن الخالة من النسب تحرم على ابن أختها منه والله أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 6 / 12 / 1925)

«اطلعنا على هذا السؤال ونفيد: أنه متى كانت والدة السائل قد رضعت من والدة الفتاة، وهي - أي والدته - في سن الرضاع وهي سنتان على قول الصاحبين وهو الأصح المفتي به كانت والدته بنتا لمن أرضعتها وكانت بنات من أرضعتها أخوات لها رضاعا وخالات رضاعا لجميع أولادها فلا يحل لولد من أولاد من رضعت أن يتزوج بأية بنت من بنات من أرضعتها لأنها خالته رضاعا. ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما جاء في الحديث الشريف. وحينئذ متى كان الحال كما ذكر لم يحل للسائل أن يتزوج بأية بنت من بنات من أرضعت أمه.

وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية القائلين بأن قليل من الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم وبهذا علم الجواب عن السؤال حيث كان الحال كما ذكر والله أعلم». (فتوى صادرة بتاريخ 23 / 4 / 1938)

(هـ) أصول الزوجة من الرضاعة وإن علون :

فتشمل هذه الطائفة أم الزوجة رضاعا أي الأم التي أرضعتها زوجته، وكذا جدتها من الرضاعة مهما علت، ومن أية جهة كانت الجدة سواء أدخل بزوجته أو لم يدخل.

(و) فروع الزوجة من الرضاعة وإن نزلن :

فتشمل هذه الطائفة بنت الزوجة وبنت بنتها وبنت ابنها من الرضاعة مهما نزلن.

ويشترط للتحريم في هذه الطائفة أن يكون الزوج قد دخل بزوجته.

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:


«المقرر شرعا أن العقد على المرأة والدخول بها يحرم بنتها على زوجها، وبما أن السائل قرر في طلبه أن... قد تزوج بفوزية زواجا شرعيا ثم قام بالزواج من بنتها حنان وأنجب منها ولدا فإن زواجه من حنان أحمد عبد العليم بنت زوجته غير صحيح شرعا لأنها من المحرمات عليه تحريما مؤيدا لقوله تعالی:(وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) ويجب على الزوجين أن يتفرقا اختيارا وإلا فعلى من يهمه الأمر أن يرفع الأمر إلى القضاء ليفرق بينهما جبرا، ولما كان زواج الشخص ببنت زوجته يعتبر زواجا فاسدا، إلا أنه ترتب عليه بعض آثار النكاح الصحيح ومنها ثبوت نسب الأولاد إلى أبيهم، ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.

والله سبحانه وتعالى أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 20 / 2 / 1989)

(ز) زوجات الأصول من الرضاعة وإن علوا:

وتشمل هذه الطائفة زوجة الأب أو الجد رضاعة مهما علت درجته. ولا يشترط للتحريم دخول الزوج بزوجته.

(ط) زوجات الفروع من الرضاعة وإن نزلوا:

وتشمل هذه الطائفة زوجة الابن وزوجة ابن الابن، وزوجة ابن البنت رضاعا مهما نزلن.

ولا يشترط للتحريم دخول الزوج بزوجته.

ويبين من ذلك أن الطوائف الأربعة الأولى هي المحرمة بسبب النسب، والطوائف الأربعة الأخيرة هي المحرمة بالمصاهرة.

كيف تعرف قرابة الرضاع المحرمة؟ .


تعرف قرابة الرضاعة المحرمة كلها، بأن يفرض انتزاع الرضيع من أسرته النسبية، ويوضع في أسرته الرضاعية باعتباره ابنا لمن أرضعته ولزوجها الذي در لبنها بسببه، ثم يلحق به بعد ذلك كل فروعه، فكل صلة تقرر له أو لفروعه بهذا الوضع الجديد فهي التي تجعل أساسا للتحريم أو التحليل بالرضاع.

أما صلة هذه الأسرة الرضاعية بأسرة الرضيع النسبية بسبب رضاعه، فلا أثر لها في تحريم أو تحليل. ولهذا لا تثبت لأقاربة النسبيين غير فروعه مثل ما يثبت له هو وفروعه بهذا الرضاع.

فالعلة في التحريم بالإرضاع وهي الاشتراك في الجزئية بالإرضاع غير متوافر بالنسبة لأقارب الرضيع النسبيين.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:

«المنصوص عليه فقها أن كل من أرضعت طفلا ذكرا كان أو أنثى في مدة الحولين ثبتت أمومتها له وبنوته للرجل الذي نزل اللبن بوطئه سواء وطئها بنكاح صحيح أو فاسد أو بشبهة وثبتت أخوته لأولاد المرضعة الذين ولدتهم من هذا الرجل أو من غيره وأرضعتهم قبل رضاعه أو بعده، ولأولاد الرجل المولودين من صلبه من غير هذه المرضعة ولأولاده من الرضاعة، ومن ذلك يعلم أنه متى أرضعت زوجة والد السائل إبن عمته صار إين هذه العمة إبنا لهذه المرضعة وإينا لزوجها الذي كان نزول اللبن بسببه وصار جميع أولادها وأولاد زوجها من غيرها إخوة وأخوات له رضاعا وصارت بنات إبن هذه العمة بنات إخوته من الرضاع، والمقرر شرعا أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وعلى ذلك لا يجوز للسائل أو إخوته أن يتزوج من بنات إبن عمته لأنهن صرن بنات أخيهم من الرضاع، ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

والله سبحانه وتعالى أعلم». 

(فتوى صادرة بتاريخ 11 / 3 / 1990)

وينبني على ذلك عدم ثبوت التحريم بسبب الرضاعة بالنسبة لكل من:

1- أم الأخ أو الأخت رضاعا

2- أخت الابن من الرضاعة.

3- أخت الأخ رضاعا.

وفي هذه الصورة قد لا توجد العلة التي من أجلها وجد التحريم أيضا بالنسب، فيجوز للشخص أن يتزوج أخت أخيه من النسب، كما إذا كان له أخ الأب نسبا، ولهذا الأخ أخت نسبا من الأم فإنه يجوز لأخيه لأب نسبا أن يتزوجها لأنها أجنبية بالنسبة له، فلا تحرم عليه لعدم وجود سبب التحريم وهو القرابة النسبية مع أنها أخت أخيه من النسب.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 28 / 10 فى الطلب رقم 353 / 1981 بأن :

«.. وغاية ما كان من تداول الإرضاع بين زوجة السائل وبين أخته لغير هذين الولدين أن يتزوج كل من هذين بأخ الأخ أو الأخت رضاعا، وذلك جائز، لأنه يحل في حكم الشرع أن يتزوج أخت أخته نسبا، وتبعا لذلك يحل له تزوج أخت الأخ رضاعا. وهذا ما لم يقم بهما مانع شرعى آخر والله سبحانه وتعالى أعلم» .

4- جدة الابن أو البنت رضاعا.

5- عمه الابن رضاعا.

6- أخت لخال رضاعا

سند التحريم:

ثبت التحريم بالرضاع بالكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب فمن قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)

فهذا نص في التحريم بالنسبة للأصول والأخوات، فقد سبق أن أوضحنا أن المقصود بالأمهات (الأصول).

ويفهم من الآية تحريم الباقي بطريق الدلالة، لأن الله تعالى لما سمی المرضع أما وابنة المرضع أختا فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاع مجری النسب، فيشير النص على الأمهات وعلى الأخوات إلى الباقي، لأن المحرمات بسبب النسب قسمان: قسم ولادة، وهو محصور في عمود النسب، وقسم حواشی وهو ما كان غير ذلك من أخ وعم وهكذا، وذكر الأخت من القسم الثاني فيه تنبيه إلى الحكم على الباقي بالتحريم .

أما في السنة، فقد روي عن الرسول عليه السلام أنه لما طلب إليه أن يتزوج ابنة حمزة قال: «لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .

وروى أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القعيس من ولادة منسوبة إليه، فجاء أفلح أخوه يستأذن عليها، فلم تأخذ له، وقالت: إنما أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى استأذن رسول الله عليه السلام، فلما ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام قال: ایذنی له، فإنه عمك تربت يداك.

وقد انعقد إجماع الفقهاء على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة.

ثبوت التحريم من الرضاعة لزوج المرضعة :

يرى جمهور الفقهاء والصحابة والتابعين أنه إذا أرضعت امرأة بنتا، فإن هذه البنت تحرم على زوج المرضعة الذي كان سببا في حملها ووضعها وإدرار لبنها الذي رضعته البنت، إذ يصبح الزوج أبا لها فلا تحل له ولا لأولاده أو أخوته أو آبائه أو أعمامه.

وينبني على ذلك أنه إذا كان لرجل زوجتان: فأرضعت إحداهما طفلا والأخرى طفلة فهما أخوان من الإرضاع لأن زوج المرضعة أب لهما من الرضاعة فلا يحل لهذا الطفل أن يتزوج بهذه الطفلة لأنها أخته من من الرضاع لأب.

وتسمى هذه المسألة (بمسألة لبن الفحل).

وحجة الجمهور في التحريم حديث عائشة الذي ذكرناه في البند السابق، وما رواه البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل له امرأتان، فأرضعت هذه غلاما، وهذه جارية، هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية، فقال: «لا، اللقاح واحد» فكان بين الولد والبنت علاقة أخوة بسبب هذا اللقاح. وحديث رسول الله عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بأن:

۱- «المنصوص عليه شرعا أن عامة العلماء ومنهم الشافعي في أحد قوليه ذهبوا إلى أن لبن الرجل يتعلق به التحريم وخالف نفر يسير منهم الشافعي في أحد قوليه - فقد جاء في الهداية «ولبن الفحل يتعلق به التحريم وهو أن ترضع امرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبا للمرضعة وفي أحد قولي الشافعي لبن الفحل لا يحرم» وعلق صاحب الفتح على هذه العبارة بقوله «يعنى اللبن الذي نزل من المرأة بسبب ولادتها من زوج يتعلق به التحريم بين من أرضعته وبين ذلك الرجل، بأن يكون أبا للرضيع فلا تحل له إن كانت صبية لأنه أبوها ولا لأخوته لأنهم أعمامها، ولا لآبائه لأنهم أجدادها ولا لأعمامه لأنهم أعمام الأب ولا الأولاده وإن كانوا من غير المرضعة لأنهم أخوتها لأبيها» إلخ، وقال صاحب مجمع الأنهر ضاربا المثل للتحريم بلبن المرأة «وصورته: أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها صاحب اللبن وعلى آبائه وأبنائه كما في النسب، حتى لو كان الرجل امرأتان وولدتا منه فأرضعت كل واحدة منهما صغيرا صار ا أخوين لأب فإن كان أحدهما أنثى لا يحل مناكحته الآخر وإن كانا أنثيين لا يحل الجمع بينهما»، فهذه النصوص تدل على أن الراضع من إحدى الزوجتين لرجل ما - ذكرا كان الراضع أو أنثى - يصبح بالرضاع أبنا الزوجهما رضاعا وأخا لجميع أولاده من الزوجتين من الرضاع. فإذا كان رضاع عبد الرحيم من زوجة جده لأب - زكية - في سن الرضاع وهي سنتان على قول الصاحبين والشافعي - الأصح المفتى به يصبح برضاعه منها ابنا لها ولزوجها من الرضاع وأخا لجميع أولاد زوجها رضاعا سواء من كان منهم من زوجته زكية ومن كان من زوجته الأخرى ومنهم حسن بن سليم عم عبد الرحيم الشقيق.

وبذا لا يحل لعبد الرحيم أن يتزوج من بنت عمه الشقيق حسن لأنها بنت أخيه رضاعا وهي محرمة عليه حرمة بنت أخيه نسبا. وهذا على إطلاقه مذهب الحنفية والمالكية القائلين بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد، أما على مذهب الشافعية في قوله بالتحريم بلبن الفحل والرواية الأخرى عن الإمام أحمد فإن الرضاع المحرم ما كان خمس رضعات متفرقات مشبعات في مدة الرضاع السابقة فإذا كان رضاع عبد الرحيم من زكية بلغ خمس مرات فأكثر على الوجه السابق كانت بنت عمه حسن محرمة عليه أيضا على هذا المذهب، لأنها بنت أخيه رضاعا، أما إذا كانت رضاعته من زكية أقل من خمس رضعات أو كانت بعد تجاوز سن العامين فإنه لا يتعلق بها التحريم بناء على هذا المذهب الأخير الذي اخترناه الفتوى في هذا الأمر الذي عمت فيه البلوى بين الناس والله أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 12 / 9 / 1959 في الطلب رقم 2459- أيضا: الفتوى الصادرة بتاريخ 5 / 5 / 1916 والفتوى الصادرة بتاريخ 7 / 10 / 1917)

حكمة التحريم بسبب الرضاعة :

يرجع تحريم الزواج بسبب الرضاعة إلى ما يأتي:

1- أنه بالرضاعة ينبت اللحم وينشز العظم، فالمرضع تغذى الرضيع بجزء من جسمها، لأن اللبن الذي تغذيه به إنما هو ناتج من دمها، فالأم الحقيقية تغذى الجنين بالدم وهو في بطنها والمرضعة تغذيه بدمها بعد أن يولد، فإذا كانت الأم الحقيقية محرمة على ابنها حرمة مؤبدة لأنه جزوها فكذلك التي أرضعته.

2- أن الرضاعة حنو وعطف، وتنظر المرضع إلى من ترضعه من ثديها وكأنه بمنزلة ولدها، فالطفل يندمج في أسرة مرضعته، كما تندمج المرضعة في أسرة الطفل، فيكون هناك تشابك في العلاقة، وإذا كانت العلاقة التي تكون من هذا النوع في النسب موجبة التحريم في كثير من الأحوال، فينبغي أن تكون كذلك في الرضاعة.

3- أن التحريم بسبب الرضاعة يشجع على الرضاعة، فتتحقق مصلحة الأطفال الذين لا أمهات لهم، أو لهم أمهات عاجزات عن الرضاعة، طالما أن الإسلام جعل للمرضع قداسة الأم وكرامتها فأنزلها منزلتها.

المقصود بالرضاعة:

الرضاع والرضاعة في اللغة: مص اللبن من الثدي. وشرعا: مص الرضيع اللبن من ثدي المرأة في وقت مخصوص وهو مدة الرضاع.

والرضاع يتحقق أيضا بشرب اللبن من المرأة في المدة آنفة الذكر، وإنما اقتصر الفقهاء على تعريف الرضاع شرعا بأنه المص لأن هذا هو الغالب.

والإرضاع المحرم هو الذي يدخل فيه اللبن إلى الجوف من الفم أو الأنف إذ بهذا يصل إلى المعدة فيغذي الجسم، بعكس اللبن الذي يقطر في الأذن فإنه لا يصل إلى المعدة ولا يكون محرما.

والحقن باللبن لا يوجب الحرمة.

وصف المرضعة :

المرضعة التي يثبت بلبنها التحريم، هي كل امرأة در اللبن من ثديها.

والمرضعة التي يثبت بلبنها التحريم هي التي لا تقل سنها عن تسع سنين.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 / 6 / 1949 بأن:

والجواب - أن المنصوص عليه عند الحنفية أن اللبن المحرم هو لبن بنت تسع سنين فأكثر. ففي الدر المختار.. ولبن البكر بنت تسع سنين فأكثر محرم وإلا لا.»

ويستوي أن تكون المرضعة يائسة من المحيض أم غير ذلك.

وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 17 / 8 / 1939 بأن:

«.. ومع هذا فمذهب الحنفية في الحادثة أن الرضاع متى كان في مدة السنتين محرم ولو بعد الفطام والاستغناء بالطعام لو كانت المرضعة آيسة على ما هو ظاهر المذهب وعلى ذلك الفتوى وهو المعتمد... الخ».

وسواء أكان نزول اللبن نتيجة وطء أم من غير ذلك، وسواء أكانت حاملا أم غير حامل.

ويثبت التحريم - كما يذهب الأحناف والمالكية - باللبن النازل المرضعة عن طريق الزنا. وإذا طلق الرجل زوجته أو توفي عنها ولها لبن فتزوجت آخر، وولدت منه، فإن لبها يكون للزوج الثاني، وتثبت الحرمة بينه وبين من رضعه ويستوي في ذلك أن يكون اللبن قد زاد أو لم يزد، انقطع أو اتصل، لأن لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني، فإن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره.

أما إذا كانت قد حملت من الزوج الثاني ولكن بقى اللبن بحاله، لم يزد ولم ينقطع، فإن اللبن يكون للزوج الأول حتى تلد، لأنه لم يحدث فيه تغيير يجعله للثاني فإذا كان لبن الزوج الأول مازال باقيا ولكنه زاد بالحمل من الثاني، فإن اللبن يكون من الزوج الأول ما لم تلد من الزوج الثاني.

ولبن الميتة يثبت به التحريم، سواء حلب قبل موتها فشربه الصبی بعد موتها أو حلب بعد موتها لأن المقصود من اللبن التغذى والموت لا يمنع منه.

مقدار الرضاع المحرم:

يذهب الأحناف - المعمول برأيهم - والمالكية ورواية عن أحمد ابن حنبل، والثوري، والأوزاعي، وحماد، وبعض الصحابة والتابعين، إلى أنه ليس للرضاع المحرم قدر معين، وأنه لا فرق بين قليل الرضاع وكثيره، فيتحقق التحريم ولو من مصة واحدة، ولو كانت غير مشبعة.

وسندهم في ذلك: أن النصوص الواردة بالتحريم جاعت مطلقة ولم تقيده بقدر معين فقد قال تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، وقال عليه السلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فالشارع جعل الرضاع سببا في التحريم ولم يقيد ذلك بعدد معين من الرضعات ولا بكمية معينة، فحيث وجد اسمه وجد حكمه، ولأنه فعل يتعلق به التحريم فيستوي قليله وكثيره كالوطء الموجب للرجم، ولأن انتشار العظم وإثبات اللحم يحصل بقليله وكثيره.

واستدلوا أيضا بما روي عن عقبة بن الحارث أنه قال: (تزوجت أم يحيى بنت أهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: «قد أرضعتكما»، فأتيت النبي عليه السلام فذكرت له ذلك، فقال: «وكيف، وقد قيل؟.. دعها عنك» فترك الرسول عليه السلام السؤال عن عدد الرضعات وأمره بتركها دليل على أنه لا اعتبار إلا بالإرضاع.

وقد جاء بفتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 11 / 7 / 1939 أن :

«اطلعنا على السؤال. ونفيد: أن مذهب الحنفية أن قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب التحريم متى كان الرضاع في مدته وهي سنتان على مذهب الصاحبين وهو الأصح المفتى به. ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن المحرم من الرضاع ما كان خمس رضعات عرفا في مدته وهي سنتان. 



ولابد من تيقن کون الرضعات لا تقل عن خمس. فلو شك في كونها خمسا أو أقل فلا تحريم لأن الأصل عدم كونها خمسا. إلا أنه جاء في تحفة المحتاج لابن حجر ما معناه أنه وإن كان لا تحريم عند الشك فيما ذكر فالزواج في هذه الحالة مكروه تورعا. يراجع كتاب الرضاع من تحفة المحتاج لابن حجر. وبذلك علم الجواب عن السؤال علی مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام الشافعي رحمهما الله والله أعلم». 

ولا يشترط أن يحصل الإرضاع في زمن واحد، فيتحقق التحريم لو حصل الإرضاع في أزمان متباعدة، فمن رضع من امرأة صار أخا لأولادها ولو كانوا مولودين قبله أو مولودين بعده.

وإذا أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم الرضيع دون أن تدري أدخل اللبن في حلقه أم لا، لا يحرم النكاح لأن في المانع شكا ولا تبني الأحكام على الشك وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 20 يناير سنة 1981 في الطلب رقم 363 لسنة 1980 بأن :

نقل زين الدين بن نجيم المصري الحنفي في كتابه الأشباه والنظائر في قاعدة: أن الأصل في الإرضاع التحريم: أنه لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم رضيعه، ووقع الشك في وصول اللبن إلى جوفها لم تحرم، لأن في المانع شكا، كما في الولوالجية ، وفي القنية: امرأة كانت تعطي ثديها صبية واشتهر ذلك فيما بينهم، ثم تقول لم يكن في ثديي لبن حين ألقمتها ثديي، ولم يعلم ذلك إلا من جهتها جاز لابنها أن يتزوج بهذه الصبية. ونقل هذا أيضا في الدر المختار وحاشيته رد المحتار في الرضاع... الخ».

لبن المرضعة المخلوط بغيره:

إذا اختلط لبن المرضعة بسائل، كالماء أو الدواء أو لبن ماشية، وتناوله الرضيع، فإن كان الغالب لبن المرأة حرم، وإن لم يكن غالبا فلا يثبت به التحريم)، لأن المغلوب في مقابلة الغالب غير موجود حكما.

وهذا مذهب الأحناف والمزني وأبي ثور.

وإذا اختلط اللبن بالطعام فيتعين التفرقة بين أمرين:

الأول: إذا كان الطعام قد طبخ باللبن، ففي هذه الصورة لا يتعلق باللبن التحريم باتفاق الفقهاء.

الثاني: إذا كان اللبن قد اختلط بالطعام دون طبخ.

فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن اللبن لا يحرم في هذه الحالة لأن الطعام أصل واللبن تابع له في حق المقصود فصار كالمغلوب فلا تحریم، ولو تقاطر اللبن من الطعام لأن التغذى بالطعام في الأصل.

وإذا اختلط لبن امرأتين، فإن التحريم يثبت بلبن المرأتين بدون اعتبار الأكثر أو الأقل لأن الجنس لا يغلب الجنس لأن الشيء لا يصير مستهلكا في جنسه.

وهذا عند محمد وزفر وفي رواية عن أبي حنيفة، وهو الراجح في المذهب الحنفي.

وإذا تحول اللبن جبنا ثم أطعمه الصغير في مدة الرضاعة، أو انتزع منه الزبد، أو حول إلى سمن، ثم أطعم الصغير بالزبد أو السمن المنزوع منه، فإنه لا يثبت به التحريم لزوال الاسم عنه، عند الحنفية.

وقت الرضاعة المحرمة:

اتفق جمهور الفقهاء على أن وقت الرضاعة المحرمة هو الصغر وحجتهم ما في ذلك أن الرسول عليه السلام قال: «إنما الرضاعة من المجاعة» أي أن الرضاع المحرم هو الذي يدفع إليه الجوع، وهذا لا يكون إلا في الصغر.

وقوله عليه السلام: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم».

وقوله عليه السلام: «الرضاع ما فتق الأمعاء»، وتفتق الأمعاء لا يكون إلا في الصغر ذلك أن أمعاء الكبير متفقة ولا تحتاج إلى لبن يفتحها، كما أن إنبات اللحم وانشاز العظم الذي يجعل الطفل جزءا ممن أرضعه إنما يكون في الصغر.

وقد حدد الصاحبان والشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور أهل الظاهر، مدة الرضاعة المحرمة بالحولين الأولين من حياة الرضيع، وقد استندوا في ذلك إلى ما يأتي :

1- قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فقد جعل الله تمام الرضاعة بالحولين. ولا مزيد على التمام، وبقوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، وقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) ، ومدة الحمل أدناها ستة أشهر فيبقى للفصال حولان.

2- بما روي عن الرسول عليه السلام أنه: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأثبت اللحم»، وذلك لمن هو في سن الحولين ينمو باللبن عظمه وينبت عليه لحمه.

3- ما قاله ابن عباس من أنه: «لا رضاع إلا في الحولين».

وإذا حصل الرضاع في هذه المدة، ولو بعد فطام الصغير، تعلق به التحريم، ولا عبرة بالرضاع الذي يحصل بعدها.

وقد حدد أبو حنيفة مدة الرضاع بسنتين ونصف، أي بثلاثين شهرا واستدل في ذلك بقوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ).

ووجه استدلاله بهذه الآية أن الله تعالى ذكر شيئين: الحمل والفصال، وضرب لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب لدينين على شخصين، بأن قال الدائن أجلت الدين الذي لى على فلان والدين الذي لى على فلان سنة، فيفهم منه أن السنة بكمالها لكل. إلا أن الدليل قام على أن مدة الحمل أقل من ثلاثين شهرا ولم يقم الدليل على أن مدة الفصال أقل من ذلك فبقيت كاملة، وأنه لابد من تغير الغذاء لينقطع الغذاء باللبن، وذلك بزيادة مدة يتعود الصبي فيها غيره فقدرت بأدني مدة الحمل لأنها قصيره فإن غذاء الجنين يغایر غذاء الرضيع كما يغاير غذاء الفطيم. وأما قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، فالمراد به أن المدة التي تستحق المرضعة الأجرة على الإرضاع فيها هي سنتان والمراد بالوالدات المطلقات. ومعنى الآية: أن المطلقات يرضعن أولادهن حولين لمن أراد من الآباء أن يتم الرضاعة بالأجرة وهذا لا يقتضي انتهاء مدة الرضاعة بالحولين. 

وإذا استغني المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ثم أرضعته امرأة فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الحرمة تثبت أما إذا تم الرضاع بعد مدة الرضاعة فلا تثبت الحرمة ورأى الصاحبين هو الراجح في المذهب الحنفي والمعمول به.

وبهذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 10 / 9 / 1917 بأن :

«اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أولا أن الجدة المذكورة على فرض أنها أرضعته من لبنها فقد أرضعته بعد انتهاء مدة الرضاعة. لأنها إما حولان على قول الصاحبين الذي هو الأصح المفتى به أو حولان ونصف على قول الإمام أبي حنيفة، وإذن تكون مدة الرضاع قد انتهت باتفاق.... الخ». .

(راجع أيضا الفتاوى الصادرة بتاريخ 7 / 8 / 1934 في الطلب رقم 353 / 1981 ، 5 / 11 / 1980 في الطلب رقم 283 / 1980).

(أ) الإقرار

يتعين التفرقة بين إقرار الرجل وإقرار المرأة.

فإذا أقر الرجل بأن امرأة معينة بنته أو أخته من الرضاعة مثلا، وأصر على إقراره ثبت ما أقر به، فإذا كان الإقرار قبل الزواج فلا يحل له الزواج من هذه المرأة.

أما إذا كان الإقرار بعد الزواج كان العقد باطلا، ووجب عليهما الافتراق من تلقاء نفسيهما، وإلا فرق القاضي بينهما معاملة له بإقراره، لأنه غير متهم فيه، لأنه أقر ببطلان الزواج، وهو يملك رفعه وإزالته بالطلاق.

ويستوي في ذلك أن تصدقه المرأة أو تكذبه في إقراره. غير أنها إذا صدقته فلا شيء لها إذا حصلت الفرقة قبل الدخول، وإن حصلت الفرقة بينهما بعد الدخول فلها الأقل من المهر المسمى ومهر المثل ولا تجب لها نفقة العدة والسكنى. وإن كذبته في إقراره، فلها نصف المهر المسمى قبل الدخول ولها كله بعده وتجب لها النفقة والسكنى في العدة، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره إلا إذا صدقه ذلك الغير أو قامت البينة على صحة الإقرار فيتعامل المقر بإقراره في حق نفسه فقط، ولا يسرى الإقرار على المرأة بإيطال حقها في النفقة والسكنى في فترة العدة.

وإذا لم يصر الزوج على إقراره بأن رجع فيه بأن قال: «أخطأت»، قبل رجوعه فلا يعتد بإقراره. ولا يفرق بينه وبين زوجته، لأن الرضاع مما يخفى فلا يضره التناقض إذ مبناه على السماع من الغير، فيجوز أنه لما تبين له كذب من أخبره بالرضاع رجع عن إقراره.

ويقبل منه العدول ولو كان هذا الإقرار قد تكرر منه.

إنما لا يجوز الرجوع في الإقرار إذا كان قد أشهد على نفسه بذلك أو قال «هو حق» أو «كما قلت» أو ما في معناه كقوله «هو صدق أو صواب أو صحيح أو لاشك عندي».

أما إذا أقرت الزوجة بالرضاع. 

فالأمر لا يخلو من فرضين :

الفرض الأول: أن يصدقها الزوج في الإقرار، وفي هذا الفرض تعامل الزوجة بإقرارها والزوج بتصديقه، ويجب عليهما أن يفترضا وإلا فرق القاضي بينهما.

الفرض الثاني: أن يكذبها الزوج في الإقرار، فإذا كان الإقرار قبل العقد فلا يحل لهذه المرأة أن تتزوج بهذا الرجل. أما هو فيحل له أن يتزوج بها إذا وقع في قلبه أنها كاذبة في هذا الإقرار وقد جرت الفتوى على هذا لأن الحرمة لم يجعلها الله تعالى موكولة إليها وهي متهمة في هذا الإقرار لاحتمال أن يكون هناك غرض آخر لها لا تريد أن تفصح به فتدعي هذا الإدعاء.

وإن كان الإقرار بعد الزواج فهي حلال لزوجها، لأنها متهمة في إقرارها الاحتمال أنها أقرت بالإرضاع كذبا للتخلص من زوجها وهي لا تملك التخلص من الزواج بالطلاق، فلا تأثير لهذا الإقرار ولا يعول عليه.

وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بصدد الإقرار بما يأتي:

۱- «اطلعنا على هذا السؤال. ونفيد: أولا أن الجدة المذكورة على فرض أنها أرضعته من لبنها فقد أرضعته بعد انتهاء مدة الرضاعة. لأنها أما حولان على قول الصاحبين الذي هو الأصح المفتى به أو حولان ونصف على قول الإمام أبي حنيفة، وإذن تكون مدة الرضاع قد انتهت باتفاق. والرضاع بعد انتهائها لا يحرم وثانيا أن خبرها على حسب المذكور بالسؤال لا يفيد أنها أرضعته من لبنها بل يفيد أنها كانت ترضعه من لبن حليب البقر. وثالثا أن الزوج لم يصدق الأخ في دعوى التحريم. وحينئذ لا تحرم الزوجة المذكورة على زوجها المذكور بإخبار الجدة المذكورة ولا بمجرد دعوى أخى الزوجة المذكورة لأن الزوج نفسه لو قال لزوجته هذه رضيعتي ثم رجع عن قوله صدق شرعا ولا تحرم عليه. وكذا لو أقر الزوج والزوجة بذلك ثم كذبا أنفسهما وقالا جميعا أخطأنا ثم تزوجها جاز زواجه بها. كما يؤخذ كل ذلك من متن التنوير وشرحه في باب الرضاع».

(فتوى صادرة بتاريخ 10 / 9 / 1917).

۲-«قال في متن التنویر وشرح الدر المختار ما نصه: «قال لزوجته هذه رضيعتي ثم رجع عن قوله صدق لأن الرضاع مما يخفي فلا يمنع التناقض فيه ولو ثبت عليه بأن قال بعده هو حق كما قلت ونحوه فرق بينهما» أمه. ومن ذلك يعلم أنه حيث أقر الرجل المذكور بأنه رضع هو وهذه البنت من أمها وثبت على ذلك ولم يرجع فرق بينهما لأنهما أخوان من الرضاع والله أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 6 يناير سنة 1925)

۳- «اطلعنا على السؤال المتضمن أن السائل قد أقر كتابيا برضاعه من خضرة الدسوقي أبو زيد التي يريد التزوج بابنتها فاطمة محمد إبراهيم أبو زيد ثم قرر أن هذا الإقرار غير صحيح وإنما قصد به إرضاء زوجته الأولى حيث غضبت حين علمت أنه يريد التزوج بفاطمة المذكورة. والدليل على عدم صحته أنه من مواليد فبراير سنة 1910 وخضرة الدسوقي من مواليد شهر مايو سنة 1906 كما تدل عليه شهادتا الميلاد الرسميتان المقدمتان مع السؤال ولا يعقل أن يكون لها لبن يرضعه وهي في هذه السن وطلب إفتاءه بالحكم الشرعي في حل زواجه بها أو حرمته. والجواب - أن المنصوص عليه عند الحنفية أن اللبن المحرم هو لبن بنت تسع سنين فأكثر. ففي الدر المختار ولبن البكر بنت تسع سنين فأكثر محرم وإلا لا» والرضاع أنها يحرم إذا كان في مدته وهي سنتان على الأكثر في الأصح المفتى به. ولا يعقل أن يكون لخضرة المذكورة لبن وهي دون السابعة من عمرها حيث يكون السائل قد تجاوز سن الرضاع شرعا وعلی فرض وجوده فلا تأثير له في التحريم لما ذكرنا. ولا يعول على هذا الإقرار لأن الشارع قد كذبه فيه. فيحل للسائل التزوج من بنت خضرة الدسوقي المذكورة المدعوة فاطمة محمد إبراهيم أبو زيد إذا كان الحال كما ذكر بالسؤال. والله تعالى أعلم».

(فتوى صادرة بتاريخ 20 / 6 / 1949)

(ب) البينة:

نصاب الشهادة على الرضاع عند الأحناف، هو نصاب الشهادة في الأموال أي شهادة رجلين عدلين أو رجل عدل وعدلتين.

ولا تقبل عندهم شهادة النساء وحدهن على الإرضاع، لأن إثبات الحرمة بالرضاع يستتبع وبطريق اللزوم زوال ملك الزوج لزوجته وزوال الملك لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات.

وقد رد الأحناف على من يقول بأن الرضاع من المسائل التي لا يطلع عليها الرجال بأن المحارم من الرجال يحل لهم النظر إلى ثدى المرأة.

ويجوز أن يكون من بين العدلتين المرضعة، ولا يغير كون شهادتها على فعل نفسها لأنه لا تهمة في ذلك كشهادة القاسم والوزان والكيال، ولئن جاء ببعض الشروح (شرح الوهبانية) أنه لا تقبل شهادة المرضعة عند أبي حنيفة وأصحابه، فإن الظاهر أن المراد إذا كانت وحدها احترازا عن قول مالك.

ومع هذا فهم يرون أنه إذا شهدت امرأة عدلة بالرضاع، فإنه يجب التنزه، وأن يفارق الرجل المرأة إن كان قد عقد عليها وألا يقدم على زوجها إذا لم يكن قد عقد عليها.



احكام محكمة النقض في هذا الشأن :- 

من شروط صحة الزواج محلية المرأة وأن لا يقوم بها سبب من أسباب التحريم ومنها الجمع بين الأختين, والمحققون من الحنفية على إنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى جاز زواج الأولى وفسد زواج الثانية وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة و لا النسب و لا يتوارثان ، و إن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ويعتزل من إمرأته حتى تنقضى عدة أختها - وإذ كان الحكم المطعون فيه قد جرى فى قضائه على إعتبار عقد زواج الثانية باطلاً ولا يثبت به نسب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه .



(الطعن رقم 2 لسنة 33 جلسة 1965/04/28 س 16 ع 2 ص 515 ق 84)

تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم 

( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )

نسألكم الدعاء

تم بحمد الله وتوفيقه
------------------------------------------------------
إن هذا الطرح يُعد محتوىً حصرياً عبر موسوعه المصطفى القانونية ، استخلصه المؤلف وصاغه من واقع ممارسته القضائية وخبرته بمنصة القضاء.
كما نسعد بتلقي تعليقاتكم عبر صندوق التعليقات في الاسفل و نأمل بمشاركتكم الموضوع لمواقع التواصل الاجتماعي عبر الضغط علي الزر بالاسفل لتعم الاستفادة للجميع.
نسألكم الدعاء في ظهر الغيب
محتويات المقال