دائرة توحيد المبادئ في أحدث أحكامها تقضي بترجيح الرأي بعدم جواز احاله دعوي تصحيح درجات الطلاب الي خبير و الاكتفاء بسلطه مصحح ورقه الاجابه
مقدمة: حسم الصراع بين سلطة القضاء وحرمة المحراب الجامعي
لطالما كانت المنازعات المتعلقة بـ "درجات الامتحانات" في الجامعات المصرية ساحة لمعارك قانونية وإجرائية معقدة. هل يملك القاضي الإداري، وهو "قاضي المشروعية"، الحق في أن يحل محل أستاذ الجامعة المتخصص ليقرر أن إجابة الطالب تستحق درجة أعلى مما رصده المصحح؟. لسنوات طويلة، شهدت أحكام المحكمة الإدارية العليا انقساماً حاداً بين اتجاهين: الأول يرى أن عملية التصحيح هي "عمل فني بحت" وسلطة تقديرية مطلقة للجامعة لا يجوز للقضاء المساس بها، بينما ذهب الاتجاه الثاني إلى جواز استعانة المحكمة بأهل الخبرة (أساتذة من جامعات أخرى) لإعادة تقييم إجابات الطلاب تحقيقاً للعدالة.
وجاء الحكم الصادر في ٤ مايو ٢٠٢٦ في الطعن رقم ٨٢٤١٣ لسنة ٧١ ق. عليا، ليضع كلمة الفصل النهائية، منتصراً لاستقلال الجامعة وسلطة الأستاذ الجامعي في تقييم طلابه.
أولاً: وقائع النزاع.. الشرارة التي أطلقت المبدأ
بدأت وقائع هذا النزاع عندما أقامت الطالبة "أسماء مصطفى عزمي"، المقيدة بالفرقة الثانية بكلية الحقوق جامعة المنصورة (نظام الانتساب) للعام الجامعي ۲۰۱۹/۲۰۱۸، دعواها أمام محكمة القضاء الإداري بالمنصورة. كانت الطالبة تهدف من دعواها إلى إلغاء قرار إعلان نتيجتها في مواد (القانون الدولي العام، وتاريخ القانون، والقانون الإداري)، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها إعادة تصحيح أوراق إجابتها بمعرفة لجنة محايدة.
استجابت محكمة القضاء الإداري بالمنصورة لطلب الطالبة، وأصدرت أحكاماً تمهيدية بتشكيل لجان من أساتذة متخصصين من جامعة طنطا ومن المجلس الأعلى للجامعات لإعادة التصحيح. وانتهت هذه اللجان إلى أحقية الطالبة في درجات إضافية (درجتين في الدولي، وخمس درجات في تاريخ القانون)، وبناءً عليه حكمت المحكمة بتعديل نتيجتها. جامعة المنصورة لم ترضَ بهذا التدخل في سلطتها الفنية وطعنت أمام الإدارية العليا، مما دفع الدائرة السادسة بالمحكمة لإحالة الأمر إلى دائرة "توحيد المبادئ" لحسم الخلاف الجوهري بين الدوائر.
ثانياً: لماذا تدخلت دائرة "توحيد المبادئ"؟
وفقاً للمادة (٥٤) مكرراً من قانون مجلس الدولة، تتدخل هذه الدائرة عندما توجد أحكام متناقضة من دوائر المحكمة الإدارية العليا في ذات المسألة القانونية. وكان التناقض هنا يتمثل في:
1. الاتجاه الأول: يرى أن تقدير مدى صحة إجابة الطالب هو اختصاص أصيل للجهة الإدارية (الجامعة) كعملية فنية لا يجوز للقضاء إعادة النظر فيها بالموازنة والترجيح.
2. الاتجاه الثاني: يرى جواز الاستعانة بخبير فني لتقييم الإجابة وتقدير الدرجة المستحقة، كضمانة لحق الطالب في الحصول على تقييم عادل.
ثالثاً: الحيثيات.. الفلسفة القانونية التي تبناها الحكم
أقامت المحكمة حكمها على ركائز قانونية ومنطقية شديدة الصرامة، تهدف إلى حماية العملية التعليمية من "التدخل القضائي الفني":
١. الطبيعة الفنية الخالصة لعملية التصحيح
أكدت المحكمة أن نجاح الطالب مشروط بأن "ترضي لجنة الامتحانات عن فهمه وتحصيله" وفقاً للمادة (١٧٣) من قانون تنظيم الجامعات. هذا الرضا هو نتاج تقييم علمي وفني لا يملكه إلا أستاذ المادة القائم بتدريسها.
٢. التفرقة الحاسمة بين "الخطأ المادي" و"التقدير الفني"
وضعت المحكمة حداً فاصلاً لتدخلها:
* **الأخطاء المادية (يجوز التدخل):** مثل الأخطاء في رصد الدرجات، أو نقلها، أو جمعها، أو ترك سؤال كامل بدون تصحيح. هنا القضاء يصحح "واقعاً مادياً" ولا يمس "رأياً فنياً".
* **التقدير الفني (لا يجوز التدخل):** وهو تقييم جودة الإجابة ووضع درجة (مثلاً ٧ من ١٠). هذا التقدير هو "تقدير فني نهائي" لأعضاء هيئة التدريس لا يجوز للقضاء أن يحل نفسه محلهم فيه.
٣. خصوصية نظام "البابل شيت" (Bubble Sheet)
لأول مرة، يتطرق حكم توحيد مبادئ إلى أنظمة الامتحانات الحديثة. رأت المحكمة أنه في حالة أسئلة "البابل شيت" أو الاختيار من متعدد، تصبح رقابة القضاء أسهل وأكثر انضباطاً. فالقاضي يمكنه مطابقة إجابة الطالب مع "نموذج الإجابة المعتمد" (Key Answer) دون الحاجة لخبير، لأن الإجابة إما صحيحة أو خاطئة وفقاً للنموذج، ولا مجال فيها للتقدير الإنشائي المترخص.
٤. حماية مبدأ المساواة والعدالة بين الطلاب
أشارت المحكمة إلى أن عملية التصحيح تجرى في "سرية تامة" وبمعرفة أستاذ واحد يطبق معايير متسقة على جميع الطلاب دون علم بظروفهم الشخصية. انتداب خبير لطالب واحد بعينه لإعادة تصحيح ورقته يخل بمبدأ المساواة، لأن هذا الطالب سيخضع لرؤية خبير مختلف عن الأستاذ الذي قيم باقي زملائه.
رابعاً: المبدأ القانوني النهائي (الخلاصة)
قررت دائرة توحيد المبادئ الآتي:
> "إن تقدير مدى صحة إجابة الطالب أو الدرجة المستحقة له عنها، هو من صميم عمل الجهة الإدارية المختصة ومسئوليتها، ولا يجوز للقضاء الإداري إعادة النظر بالموازنة والترجيح في شأن تقدير الدرجة المستحقة للطالب، ومن ثم فلا حاجة تبعا لذلك في الاستعانة بأهل الخبرة وذوى الاختصاص لإعادة تقدير الدرجة المستحقة له".
خامساً: الاستثناءات.. متى يظل باب القضاء مفتوحاً؟
رغم المنع العام، حدد الحكم حالات استثنائية ضيقة تسمح بالتدخل القضائي:
1. ترك سؤال مقالي أو جزء منه بدون تصحيح نهائياً: هنا يثبت تقصير الجهة الإدارية في أداء مأموريتها.
2. وقوع خطأ مادي واضح: مثل خطأ في الجمع أو الرصد يظهر من ظاهر الأوراق.
3. إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها: وهو أمر يتطلب من الطالب إثبات أن المصحح تعمد الإضرار به لسبب شخصي أو غير قانوني.
واتركم نص الحكم الكامل
**بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ**
**باسم الشعب**
**مجلس الدولة**
**المحكمة الإدارية العليا - دائرة توحيد المبادئ**
**بالجلسة المنعقدة علناً برئاسة السيد الأستاذ المستشار / أسامة يوسف شلبي - رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة.**
**وعضوية السادة الأساتذة المستشارين نواب رئيس مجلس الدولة:**
*(عبد السلام عبد المجيد عبد السلام، رضا عبد المعطي السيد محمود، محمد عبد السميع محمد إسماعيل، حماد مكرم توفيق محمد، محمد رجب خليل إبراهيم، محمود فؤاد محمود عمار، إبراهيم جلال إبراهيم أحمد، محمد طلعت محمد سعد شاور، د. حمدي حسن محمد الحلفاوي، مسعد عبد الحميد محمد أحمد أبو النجا).*
**وبحضور السيد الأستاذ المستشار / محمود سيد فؤاد علي - مفوض الدولة.**
**وسكرتارية السيد / أسعد سيد عمر.**
**أصدرت الحكم الآتي في الطعن رقم ٨٢٤١٣ لسنة ٧١ ق. عليا**
**المقام من / رئيس جامعة المنصورة "بصفته" ضد / أسماء مصطفى عزمي محمود زيدان عطا الله.**
**"المنطوق"**
**حكمت المحكمة بترجيح الاتجاه الذي مؤداه أن تقدير مدى صحة إجابة الطالب أو الدرجة المستحقة له عنها، هو من صميم عمل الجهة الإدارية المختصة ومسئوليتها، ولا يجوز للقضاء الإداري إعادة النظر بالموازنة والترجيح في شأن تقدير الدرجة المستحقة للطالب، ومن ثم فلا حاجة تبعا لذلك في الاستعانة بأهل الخبرة وذوى الاختصاص لإعادة تقدير الدرجة المستحقة له، وذلك على النحو المبين بالأسباب وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة للفصل فيه على ضوء ما تقدم.**
**صدر هذا الحكم وتلي علنا بالجلسة المنعقدة يوم ١٦ من شهر ذو القعدة سنة ١٤٤٧ هجرية، الاثنين الموافق ٤ من شهر مايو ٢٠٢٦ ميلادية
تعليقات
إرسال تعليق
اجعل تعليقك بناء